السيد محمد بيرم الخامس التونسي
117
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
مملكة تونس ، وتونس أيضا لم تسم نفسها في قانونها النظامي إلا الاسم الذي أطلقته عليها جميع الدنيا ، وهي أرادت أن توضح المزية التي لها بالاستقلال والقدرة الموافقة له . فبناء على ما سبق من الأدلة القطعية والمتعددة فالباب العالي لا يقدر أن يتعجب من إنكار فرنسا لسيادته على تونس مهما طلب هو ذلك حتى إلى الآن ، ونحن نقر بأن الباب شدد في طلبه منذ خمسين سنة وفي سنة 1835 أدخل تحت سيادته طرابلس بعد ما ضبط التحيير الهائل هناك وأراد أن يعمم سيادته على تونس ، إلا أن قوة فرنسا المضادة له منعته من مقصده وبعد عشر سنين أي في سنة 1845 أتى ما بينجي السلطان إلى تونس ومعه فرمان ليقلد الباي منصب الولاية ، إلا أنه لم يقبل منه ثم مضت عشرون سنة من غير تجربة جديدة ، ولكن في أواخر سنة 1864 رجعت التخمينات القديمة وإنما هاته المرة كانت المملكة بنفسها هي التي طلبت التقليد ولكن هذا كان من الغريب إذ وقع من الأمير الذي هو حتى لذلك الوقت بعينه وهو يظهر المدافعة عن استقلاله ، وهذا إنما كان من الإشارات القوية التي خوفت الباي من حالته أمام الباب فأرسل لذلك أمير الأمراء خير الدين إلى القسطنطينية ليعرض ويأتي بالفرمان ، وهاته المرة أيضا فرنسا عارضت في ذلك وعوضا عن الفرمان السلطاني فالباي ومستشاريته التزموا بالرضاء بمكتوب وزيري متضمن لما في الفرمان ، ثم اغتنموا الفرصة وقت مصيبتنا في سنة 1871 وتمموا ما كانوا ممنوعين منه سواء كان في مدة الوي فليب الذي كان غالبا أسطوله يمنع الأسطول التركي من القدوم إلى تونس ، أو في مدة الإمبراطور الذي لم يقلل من العزم المشار إليه ، وفرمان 15 تشرين أوّل سنة 1871 الذي اتخذوه تحت ظل مصيبتنا اشتهر في 17 تشرين ثاني في باردو وأعلن به خير الدين باسم السلطان وقبله الباي الذي كان طلبه له مع شيء من الغضب ، وفرنسا على كل حال سجلت بقوة وحسبت الفرمان باطلا أو كأنه لم يقع ، ومن مدة عشر سنين لم تبطل شيئا من عملها عندما يقتضي الحال ومع نجاح الباب هو بنفسه له شك في إجراء حق فرمانه بتاريخ سنة 1871 الذي ضرب استقلال مملكة تونس المتقادم ، وهذا الفرمان انتشر قليلا إلا أنه عند الغالب لا يعرف ما عدا بعض الدول الذين لهم فوائد نوا ، وفي ترتيب الفرمان المذكور أن تونس تكون جزء تحت الباب مع أن حكم باي تونس باق كما كان يعرف من منذ مائتي سنة غير أن باي تونس صار واليا أي واليا عاما على أيالة تونس وعلى موجب ذلك فالوراثة في الحقيقة لم تكن مستمرة في العائلة الحسينية خلافا لما ذكره الفرمان ، بل الوالي يعزل بإرادة السلطان ومن الممكن أن يعرف الباي ضرره وضرر ملكه وحريته وحياته التي هي غلطة كبيرة حسبما أشاروا عليه بها ، ومحمد الصادق ليس له خوف من جهة فرنسا ولو مع ما عمل من الشر بها ومع هذا فهي ليست بضده لا لذريته ولا لذاته ولا لدولته ، وأما من جهة الباب فهو بالعكس وله الخوف الكبير منه لأنه يمكن أن يبدله بحسب الحال . انتهت لائحة وزير فرنسا وإذا تأملها المتبصر وتدبر معانيها يجدها مخالفة للواقع في